سلاسل الإمداد في آسيا
لماذا لا تزال الشركات الأوروبية تزيد استثماراتها في التصنيع في الصين: الواقع الصناعي في ظل سردية تقليل المخاطر
في ظل استمرار الاتحاد الأوروبي في التشديد على "خفض المخاطر"، تختار شركات أوروبية متزايدة البقاء في الصين، بل وحتى توسيع سلاسل التوريد المحلية فيها. ما يدفع قراراتها حقًا ليس التكلفة فقط، بل إعادة تقييم الأتمتة وكفاءة سلسلة التوريد وسرعة التسليم العالمية.
لماذا لا تزال الشركات الأوروبية تزيد استثماراتها في التصنيع في الصين: الواقع الصناعي تحت سردية تقليل المخاطر
إن اعتماد الشركات الأوروبية على التصنيع في الصين لم ينخفض بشكل ملحوظ بسبب الشعارات السياسية. بل على العكس، اختارت شركات متزايدة الإبقاء على سلاسل التوريد الخاصة بها في برّ الصين الرئيسي، بل وتوسيعها أيضًا. هذا لا يعني أن «تقليل المخاطر» قد فشل تمامًا، بل يدل على أن التصنيع العالمي يدخل مرحلة أكثر واقعية: فقد انتقلت معادلة اختيار مواقع الإنتاج لدى الشركات من التصريحات الجيوسياسية إلى كفاءة الإنتاج، وسرعة التسليم، وتكلفة النظام ككل.
وتُظهر أحدث دراسة لغرفة التجارة الأوروبية في الصين أن ما يقرب من ثلث الأعضاء المشاركين قالوا إنهم سيواصلون «التموضع المحلي داخل الصين» بشكل أكبر، فيما ذكر 37% آخرون أن استراتيجية سلسلة التوريد لديهم لم تتغير خلال العامين الماضيين. وبحسب هذه الأرقام مجتمعة، فإن 68% من المشاركين اختاروا البقاء في الصين أو توسيع عملياتهم؛ بينما قال 7% فقط إنهم نقلوا المشتريات الصناعية إلى خارج الصين، أو أنشأوا قواعد تصنيع بديلة في أماكن أخرى. وهذه النسبة بحد ذاتها توضح أن حكم الشركات الأوروبية على التصنيع في الصين لم يعد مجرد سؤال من قبيل: «هل التكلفة مرتفعة أم لا؟»، بل أصبح سؤالًا من قبيل: «هل يمكن الحفاظ على القدرة التنافسية بعد المغادرة؟».
والأكثر لفتًا للانتباه أن نحو 24% من الشركات المشاركة تتبنى «استراتيجية المسارين» — أي التوسع في الإنتاج داخل الصين من جهة، والبحث في الخارج عن موردين بديلين من جهة أخرى. وتعكس هذه المقاربة الواقع الفعلي لإعادة هيكلة سلاسل التوريد الآسيوية في الوقت الراهن: فالشركات لا تنسحب من الصين ببساطة، بل تعيد توزيع القدرات الإنتاجية، وتنويع المخاطر، وترتيب الأدوار على أساس إقليمي. وبعبارة أخرى، لا تزال الصين نقطة تصنيع محورية، لكن الشركات بدأت تدفع بعض الحلقات غير الأساسية نحو دول الآسيان وجنوب آسيا ومناطق أخرى، من أجل بناء شبكة تسليم أكثر مرونة.
وخلف هذا التحول، لا تكمن القوة الدافعة الرئيسية في الشعارات التجارية، بل في ترقية منظومة التصنيع نفسها. ففي الماضي اعتمدت الصناعة التحويلية الصينية على انخفاض تكلفة العمالة لبناء ميزتها التنافسية، أما اليوم فإن هذا المنطق يُعاد تشكيله بفعل الأتمتة. وقد أشار رولاند بيرغر، أثناء مشاركته في استطلاع ذي صلة، إلى أن أهمية تكلفة العمالة تتراجع لأن الأتمتة غيّرت هيكل تكاليف المصانع. والأهم من ذلك أن الأتمتة لا تقلل عدد العمال فحسب، بل تحسن أيضًا وتيرة الإنتاج، والاستقرار، وقدرة التبديل بين طرازات متعددة، ما يمكّن المصانع من الاستجابة بسرعة أكبر للطلبات العالمية.
وفي الاستطلاع، رأى نحو ثلاثة أرباع الشركات الأوروبية أن مرافقها الإنتاجية في الصين أكثر كفاءة من تلك الموجودة في المناطق الأخرى. وهذه النتيجة ليست مفاجئة. فالمنافسة في التصنيع الصيني لم تعد محصورة في مصنع واحد، بل تأتي من منظومة صناعية كاملة: مكونات داعمة، وشبكة مورّدين ناضجة، وإمكانية الحصول على الطاقة والمواد الخام، وآلية سريعة للتفاوض على الأسعار، وقدرة إنتاج واسعة موجهة للسوق العالمية. وبالنسبة للشركات الأوروبية، فإن ما يصعب استنساخه حقًا ليس خط إنتاج بعينه، بل منظومة التنسيق الصناعي بأكملها.وهذا يفسر أيضًا لماذا يسهل التأكيد على “إزالة المخاطر” على مستوى السياسات، بينما يصعب تطبيقها بالكامل على المستوى التجاري. فالأجهزة التنظيمية الأوروبية تهتم أكثر بأمن سلاسل الإمداد، والاعتماد الاستراتيجي، وتوازن التجارة مع الصين؛ لكن البيانات المالية للشركات تواجه واقعًا آخر — فإذا كان الإنتاج في الصين يتيح تسليم المنتجات بتكلفة أقل وسرعة أكبر، فإن تكلفة الخروج من الصين قد تكون أعلى بكثير من المخاطر السياسية المترتبة على الحفاظ على الوجود هناك. ولا سيما في الصناعات شديدة التنافس مثل السيارات والمعدات الصناعية والكيماويات والإلكترونيات، أصبحت جهة الإنتاج نفسها جزءًا من القدرة التنافسية.
كما يعزز مثال شركات السيارات الكهربائية الصينية هذا الاستنتاج. فقد كشفت Nio أن مصنعها في الصين مجهز بـ 941 روبوتًا، ويمكنه العمل بشكل آلي بالكامل عبر عدة طرازات من دون وجود عمال على خط الإنتاج، مع تحقيق إنتاج على مدار الساعة. مثل هذه السيناريوهات عالية الأتمتة ليست حالات فردية، بل تذكير للمستثمرين الخارجيين بأن التصنيع في الصين اليوم لم يعد مجرد “قاعدة إنتاج منخفضة الأجور”، بل أصبح منصة صناعية تحركها الآلات والبيانات وتنسيق سلاسل الإمداد. وبالنسبة للشركات الأوروبية، فإن البقاء في الصين في كثير من الأحيان لا يعود إلى الرغبة في “الرهان على الصين”، بل لأن المنافسة العالمية تفرض عليها الانخراط في سلاسل الإمداد الصينية.
وهذا يحمل دلالات مشابهة على مراكز التصنيع الأخرى في آسيا. فآسيان والهند والمكسيك تسعى جميعها إلى استيعاب تدفق الأنشطة الصناعية الخارجة من الصين، لكنها على الأرجح ستستوعب فقط “بعض الحلقات المتفرقة”، لا أن تحل بالكامل محل النظام الصناعي الصيني. والسبب بسيط: انتقال التصنيع لا يتوقف عند الرسوم الجمركية والأجور فحسب، بل يعتمد أيضًا على اكتمال المنظومة الداعمة، وكثافة المهندسين، وكفاءة اللوجستيات، وسرعة استجابة الموردين. ولا تزال الميزة النظامية للصين في هذه الجوانب صعبة التقليد على المدى القصير.
لذلك، فإن خيارات الشركات الأوروبية في الصين اليوم تعكس في الواقع اتجاهًا أوسع في الأعمال الآسيوية: فالشركات العالمية تنتقل من السعي إلى “الأمان” فقط إلى السعي إلى “المرونة والكفاءة معًا”. وهذا يعني أن سلاسل الإمداد المستقبلية لن تعود بالكامل إلى درجة التركيز العالية في عصر العولمة، ولن تتجه أيضًا إلى فك الارتباط بشكل كامل، بل من المرجح أن تتشكل شبكة إقليمية متعددة الطبقات، تكون الصين فيها المركز التصنيعي عالي الكفاءة، بينما تكون آسيان وجنوب آسيا عقدًا مكملة.
بالنسبة للشركات الأوروبية، لم يعد السؤال الحقيقي هو: “هل يجب التصنيع في الصين؟”، بل أصبح: “أي المنتجات يجب أن تبقى في الصين، وأي الحلقات يمكن نقلها إلى الخارج، وكيف يمكن الحفاظ على التوازن بين التكلفة والتسليم بين الهدفين؟” أما بالنسبة لخريطة الصناعة الآسيوية، فإن هذا التعديل سيواصل دفع حركة رأس المال داخل المنطقة، وانتشار التكنولوجيا، وإعادة ترتيب تقسيم العمل التصنيعي. وقد لا تكون الصين مركز النمو الوحيد، لكنها ستظل، لفترة طويلة نسبيًا، الحلقة الأصعب في سلسلة التصنيع العالمية التي لا يمكن الالتفاف حولها.
إطار التحقق · asiabizreview
تضع asiabizreview هذه الملاحظة ضمن يتابع مراجعة الأعمال الآسيوية الأسواق الآسيوية وإشارات الشركات وسلاسل الإمداد والسياسات والتجارة والقطاعات.... ما زالت التواريخ والأسماء وتغيرات الحالة تحتاج إلى تحقق؛ أسواق آسيا / الأسواق / إشارات الشركات يوضح الزاوية التحريرية المحلية. ينبغي فتح روابط المصادر قبل إعادة استخدام الملخص.